التنبيه الثامن: في استصحاب أحكام الشرائع السابقة

إنّ الشكّ في النسخ تارة متعلّق ببقاء أحكام الشريعة الإسلامية، و أُخرى يتعلّق ببقاء أحكام الشرائع السالفة.

أمّا الأوّل: فيتصوّر على وجوه نذكر المهمّ منها:

1 أن يشكّ في بقاء نفس الجعل لا في سعته و ضيقه بل مع العلم بسعته إلى يوم القيامة لكن يحتمل ورود النسخ عليه. و لا شكّ في جواز استصحابه، و قد ادّعى الأمين الأسترآبادي الاتّفاق عليه من الموافق و المخالف.

2 أن يشكّ في سعة المجعول و شموله لقطعة من الزمان و عدمه، كما في مورد صلاة الجمعة إذا شكّ في سعة المجعول لعصر الغيبة بحيث لو ظهر الإمام الحجّة (عليه السلام) كان الحكم نافذاً، فيستصحب المجعول الكلّي على حدّ الاستصحاب في الشبهات الحكمية.

و قد عرفت تحليل الإشكال بالمعارضة، و أنّ استصحاب الجعل أو المجعول لا يعارضهما استصحاب عدم الجعل للزمان المحتمل فيه بقاء الحكم. و قلنا بأنّه لا مانع من كون الشي‏ء واجباً بعنوان عام، و غير واجب بعنوان خاص على ما أوضحه شيخ مشايخنا العلامة الحائري.

فإن قلت: إنّ الاستصحاب في القسم الثاني من أقسام الشكّ في النسخ فاقد لبعض أركانه، و هو وحدة القضية المشكوكة مع المتيقّنة، لأنّ المتيقّن ثبوت الحكم على أفراد عصر الحضور، و المشكوك إثباته على أفراد عصر الغيبة، فالموضوع متعدّد و معه لا مجال للاستصحاب.

قلت: قد أجاب عنه الشيخ: بأنّا نفترض أنّ مكلّفاً أدرك الزمانين فيثبت الحكم في حقّه بأصالة عدم النسخ و في حقّ غيره بقاعدة الاشتراك.

يلاحظ عليه: أنّ مصبَّ قاعدة الاشتراك هي الأحكام الواقعية، فالنّاس كلّهم مشتركون فيها. و أمّا الأحكام الظاهرية فهي تابعة لثبوت موضوعاتها، فمن شكّ في أصل الحكم تجري في حقّه البراءة، لا مطلق المكلّف فمن أدرك الزمانين و أيقن بحكم من الأحكام ثمّ شكّ، يحكم عليه به بالاستصحاب و بقاعدة الاشتراك، يحكم على كلّ من كان بهذا الوصف، لا كلّ الناس و إن لم يكن متيقّناً و لا شاكّاً.

و قد أجاب الشيخ عن الإشكال بجواب ثان و حاصله: المستصحب هو الحكم الكلّي الإلهي الموضوع على المكلّف بما هو مكلّف، لا الحكم الجزئي الموضوع على ذاك الفرد أو هذا الفرد.

و إن شئت قلت: الحكم الموضوع على نسج القضايا الحقيقية التي يجعل فيها الحكم على العنوان الصادق على الأفراد المحقّقة و المقدّرة، أو العنوان المحقّق الوجود أو مقدّره. و على هذا لا فرق بين القضيتين إلّا من ناحية الزمان و هو غير فارق للزوم الاختلاف فيه.

و أورد عليه صاحب مصباح الأُصول: بأنّ المقام من موارد قاعدة البراءة لا الاستصحاب، لأنّ الإهمال في مقام الثبوت غير معقول، فإمّا أن يكون الحكم المجعول مطلقاً غير مقيّد بزمان و معتبراً إلى الأبد، أو يكون مجعولًا ممتدّاً إلى وقت معيّن. وعليه فالشكّ في النسخ شكّ في سعة المجعول و ضيقه من جهة احتمال اختصاصه بالموجودين في زمان الحضور.

و كون الأحكام على نحو القضايا الحقيقية، معناه عدم دخل خصوصية الأفراد في ثبوت الحكم، لا عدم اختصاص الحكم بحصّة دون حصة. فانّا نشكّ في أنّ التكليف مجعول لجميع المكلّفين أو مختص بمدركي زمان الحضور. فيكون احتمال التكليف بالنسبة إلى غير المدركين شكّاً في ثبوت التكليف لا في بقائه ثمّ قال: إنّ هذا الإشكال لا رافع له و أنّ استصحاب عدم النسخ لا أساس له، فإن كان لدليل الحكم عموم أو إطلاق فهو المتّبع، أو كان هناك دليل من الخارج يدلّ على استمرار الأحكام فيؤخذ به، و إلّا فلا يمكن إثبات الاستمرار باستصحاب عدم النسخ. «1» و يلاحظ عليه: أنّ القضايا باعتبار وجود موضوعها تنقسم إلى ذهنية و خارجية و حقيقية، و الحكم في الذهنية من القضايا على الموجود في الذهن فقط مثل: كل اجتماع النقيضين مغاير لاجتماع المثلين.

و أمّا الثانية و الثالثة، فالحكم فيهما مجعول على العنوان الكلّي بما هو كلّي، غاية الأمر أنّ العنوان في الخارجية لا ينطبق إلّا على الخارج المحقّق و في الحقيقية على الأعم من المحقّق و المقدّر. و على كلّ تقدير، فالحكم ليس مجعولًا على الأفراد، و إن كانت الأفراد هي المقصودة حقيقة، و لكن فرق بين كونها موضوعة للحكم في لسان الدليل و مقام التشريع، و بين كونها المقصودة من الجعل. و الملاك في مقام الاحتجاج هو الأوّل (لسان الدليل) و على ذلك فنحن نعلم أنّ عنوان (الَّذِينَ آمَنُوا) كان متحمّلًا لحكم السعي إلى ذكر اللّه في يوم الجمعة و شكّ في بقاء ذلك الحكم بعد مضي زمان. فالأصل بقاؤه شأن كلّ أمر متيقّن شكّ في بقائه.

و ما ذكره من عدم إمكان الإهمال في الواقع و أنّ الحكم إمّا ممتدّ إلى الأبد أو محدود بأمد. و إن كان صحيحاً لكنّه يورث الشكّ في بقاء الحكم و يكون منشأ له، فانّ الشكّ لا بدّ و أن يكون له منشأ.

و ما ذكره من أنّ الشك في النسخ شكّ في سعة المجعول و ضيقه من جهة
__________________________________________________
 (1)- المحقّق الخوئي: مصباح الأُصول: 148/ 3 149.
                        المحصول في علم الاصول، ج‏4، ص: 153
احتمال اختصاصه بالموجودين في زمان الحضور ....
أو ما ذكره من أنّا نشكّ في أنّ التكليف مجعول لجميع المكلّفين أو هو مختصّ بمدركي زمان الحضور فيكون احتمال التكليف بالنسبة إلى غير المدركين شكّاً في ثبوت التكليف لا في بقائه ....

كلّ ذلك ناشئ من تصوّر أنّ الموضوع في القضايا الحقيقية هي الأفراد و أنّها على صنفين صنف محكوم بالحكم قطعاً، و صنف مشكوك كونه محكوماً به فيكون مجرى للبراءة.

و أمّا إذا قلنا إنّ الأفراد الخارجية ليست موضوعة للأحكام حتّى ينقسم إلى المدركين و غيرهم، و يجعل الأوّل متيقّناً و الآخر مشكوكاً، بل هي مجعولة على العنوان الكلّي أعني: (الَّذِينَ آمَنُوا) أو الإنسان البالغ العاقل فعندئذ ليس فيه عن المدرك و غير المدرك أثر حتّى يتّخذ أحدهما متيقّناً و الآخر مشكوكاً. «1» ثمّ إنّ هذا الإشكال مشترك بين استصحاب الأحكام الشرعية في الشريعة الإسلامية، و استصحاب أحكام الشرائع السالفة. و الجواب عن الإشكال سقيماً و غير سقيم واحد، فالتشبّث بمن أدرك الشريعتين غير تام و التمسّك بالقضية الحقيقية قالع للإشكال.
أمّا الثاني: أي استصحاب أحكام الشرائع السابقة فنقول:
إنّ استصحاب أحكام الشرائع السابقة كاستصحاب أحكام الشريعة الإسلامية حرفاً بحرف، غير أنّ ذاك الاستصحاب يختصّ ببعض الملاحظات نذكر ذيلًا:
الأوّل: ما ذكره الشيخ في الفرائد: كيف يصحّ استصحاب أحكام الشرائع‏
__________________________________________________
 (1)- لاحظ أيضاً فوائد الأُصول: 479/ 4.
                        المحصول في علم الاصول، ج‏4، ص: 154
السالفة مع العلم الإجمالي بنسخ كثير منها، و المعلوم تفصيلًا قليل في الغاية، فيعلم بوجود المنسوخ في غيره.
يلاحظ عليه: أنّه نفس الإشكال في العمل بالعام بعد العلم بورود التخصيص عليه، و العمل بالبراءة مع العلم بتكاليف كثيرة.
و الجواب في الجميع واحد، و هو أنّ الاستصحاب يجري بعد انحلال العلم الإجمالي بالوقوف بمقدار معتدّ به مما نسخت به أحكام الشرائع السابقة. و يكون الشكّ في هذا المورد شكّاً بدوياً. أضف إليه أنّه لا تأثير لذاك العلم، لمعلوميّة أحكام سائر الأطراف في شرعنا سواء كان المعلوم هنا نفس حكم الشريعة السابقة أو ناسخها، و على هذا تخرج سائر الأطراف عن محلّ الابتلاء و يجري الاستصحاب في محلّ الابتلاء.
الثاني: أنّ تبدّل الشريعة السابقة لو كان بمعنى نسخ جميع الأحكام السابقة، لما كان للاستصحاب وجه للعلم بارتفاع الحالة السابقة. و إن كان بمعنى نسخِ بعضِ أحكامها و إبقاء كثير منها، فبقاء الحكم الذي كان في الشريعة السابقة، و إن كان محتملًا إلّا أنّه يحتاج إلى الإمضاء من الشريعة اللاحقة. و مع عدم ثبوت الإمضاء لا جدوى للاستصحاب، و لا يمكن إثبات الإمضاء باستصحاب عدم النسخ إلّا على القول بالأصل المثبت.
و أورد عليه صاحب المصباح: بأنّه يكفي في الإمضاء عموميّة أدلّة الاستصحاب، لأنّه حكم ظاهري ثبت في شريعتنا يدلّ بعمومه بإبقاء كلّ ما ثبت حتّى الأحكام الواردة في الشريعة السابقة. «1» الثالث: أنّ هنا إشكالًا آخر لم يذكره القوم: و هو أنّ ظاهر الآيات‏
__________________________________________________
 (1)- المحقّق الخوئي: مصباح الأُصول: 150/ 3.
                        المحصول في علم الاصول، ج‏4، ص: 155
اختصاص نبوّة موسى الكليم و عيسى المسيح (عليهما السلام) ببني إسرائيل أو بأوسع منهم بقليل كالسوريين و الفلسطينيين كقوله سبحانه: (وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَ قَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ* وَ إِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ). (الصف/ 65) فالآيات ظاهرة في كون النبوّة خاصّة ببني إسرائيل و التعميم يحتاج إلى الدليل، كما أنّ ظاهر بعض الآيات أنّ التشريع الوارد في العهد القديم كان مختصّاً بهم، قال سبحانه: (وَ عَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَ مِنَ الْبَقَرِ وَ الْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا «1» أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَ إِنَّا لَصادِقُونَ). (الأنعام/ 147) و أمّا عدّهما من أنبياء أُولي العزم، فليس معناه كون شريعتهما عالميّة، بل له معنى آخر أوضحناه في أبحاثنا التفسيرية «2» فراجع، و على هذا لا يصحّ استصحاب أحكام الشرائع السالفة.
و باختصار: لم يثبت حسب الدليل وجود شريعة عالميّة سوى شريعة سيّدنا الخاتم عليه و آله السلام و إن كان المشهور كون شرائع الخمسة عالميّة هذا. و أمّا التطبيقات فقد ذكر الشيخ جملة منها في الفرائد و ناقش فيها فلاحظ.
***__________________________________________________
 (1)- الحوايا: الشحم المجتمع في المعدة.
 (2)- المحقّق جعفر السبحاني: مفاهيم القرآن: 99/ 3 106.

[الشك في نسخ أحكام هذه الشريعة]
و ربما يدعى خصوصية أحكام شريعتنا المطهرة، أو أحكام الشرائع السابقة في ذلك.
أما أحكام شريعتنا فقد يدعى استغناؤها عن أصالة عدم النسخ و الاستصحاب بالحديث المشهور: «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، و حرامه حرام إلى يوم القيامة» فإن مقتضى عمومه عدم نسخ جميع الأحكام، و ثبوت‏
                        المحكم في أصول الفقه، ج‏5، ص: 294
النسخ في الجملة لا ينافي حجيته في مورد الشك.
لكن لا يبعد حمله- بقرينة المفروغية عن وقوع النسخ، و إباء لسانه عن التخصيص- على إرادة عدم نسخ أحكام هذه الشريعة بشريعة اخرى، فهو لبيان استمرار الشريعة، لأنها خاتمة الشرائع، و صاحبها صلّى اللّه عليه و آله خاتم الأنبياء، فلا ينافي نسخ أحكامها بها. و الأمر سهل.
 [الشك في نسخ أحكام الشرائع السابقة بهذه الشريعة]
و أما أحكام الشرائع السابقة فقد وقع الكلام بينهم في جواز البناء عليها و التعبد بها عند الشك في بقائها في هذه الشريعة، كما يجوز في أحكام هذه الشريعة، إما للاستصحاب أو لأصالة عدم النسخ، بل سبق أن عنوان البحث في كلامهم مختص بذلك.
و الذي ينبغي أن يقال: أما الاستصحاب فقد سبق قلة الفائدة فيه، لعدم تمامية أركانه بالإضافة إلى الوقائع المتجددة. و لو غض النظر عن ذلك لجرى في المقام، كما يجري في غيره من موارد الشك في النسخ.
و أما أصالة عدم النسخ فالظاهر عدم المانع من الرجوع إليها.
و قد يدعى خصوصية المقام بما يمنع من الرجوع للاستصحاب و أصالة عدم النسخ معا، لوجوه ..
الأول: تعدد الموضوع، لاختلاف المكلّفين بالشرائع السابقة مع المكلفين بهذه الشريعة، فأهل هذه الشريعة غير مشمولين بدوا بتلك الأحكام، كي يكون رفعها في حقهم نسخا مدفوعا بأصالة عدمه، أو بالاستصحاب، و إنما يحتمل ثبوت مثلها في حقهم بجعل آخر مدفوع بالأصل.
و يندفع بأن الظاهر أخذ عناوين المكلفين في تلك الأحكام بنحو القضية الحقيقية المنطبقة على أهل هذه الشريعة النافذة عليهم لو لم يطرأ في حقهم النسخ، كما ذكره شيخنا الأعظم قدّس سرّه و غيره، و إلا لامتنع النسخ، لأنه رفع الحكم مع بقاء موضوعه، لا انتهاء أمده لارتفاع موضوعه.
                        المحكم في أصول الفقه، ج‏5، ص: 295
و أما ما ذكره بعض مشايخنا من أن عدم دخل خصوصية الأفراد في ثبوت الحكم لا ينافي الاختصاص ببعض الحصص بسبب ضيق الجعل عن شمول الزمان اللاحق، فلا يجري الاستصحاب.
فهو مبني على رجوع النسخ إلى قصور جعل الحكم بدوا عن شمول الزمان اللاحق، و هو خلاف الظاهر، لما تقدم من أن النسخ هو رفع الحكم الذي من شأنه البقاء.
فلا يبقى إلا حديث المعارضة، الذي تقدم منا الكلام فيه في الفصل السابق.
و أما ما ذكره شيخنا الأعظم قدّس سرّه في الجواب عن الوجه المذكور من أنا نفرض الشخص الواحد مدركا للشريعتين، فيبقى الحكم في حقه بالاستصحاب، و في حق معاصريه ممن كلف بعد نسخ الشريعة بقيام الضرورة على اشتراك أهل الزمان الواحد في الشريعة الواحدة.
فهو إنما يقتضي اشتراك الكل في أحكام الشريعة اللاحقة، و استصحاب بقاء حكم الشريعة السابقة في زمان الشريعة اللاحقة لا يحرز كونه من أحكامها إلا بناء على الأصل المثبت،
و أما القطع بعدم الفرق بين المتعاصرين في الحكم فهو لا ينفع إلا بناء على الأصل المثبت أيضا، لأن التلازم بين حكمي الشخصين واقعي لا ظاهري، و قد تقدم نظيره عند التعرض لعدم الجدوى في الاستصحاب بالإضافة إلى الوقائع المتجددة في أول الفصل.
الثاني: ما ذكره شيخنا الاستاذ قدّس سرّه من أنه لا مجال للبناء على بقاء أحكام تلك الشرائع، للعلم بنسخها بشريعتنا المقدسة بجميع أحكامها حتى ما وافقها، و ليس بيان الحكم الموافق لأحكام الشريعة السابقة إمضاء لها، كي يتنازع في معنى الامضاء، بل تشريع حكم مماثل للحكم السابق بعد انتهاء أمد جعله فى‏
                        المحكم في أصول الفقه، ج‏5، ص: 296
الشريعة السابقة، كما يقتضيه ما يفصل بينهما دل على نسخ هذه الشريعة لتلك.
و هو كما ترى! إذ لا معنى لنسخ الحكم الإلهي بمثله.
و مجرد اختلاف الشريعتين لا يصححه بعد رجوعهما إلى مقام الكشف و التبليغ مع وحدة الحاكم.
و ما تضمن نسخ شريعتنا لما قبلها لا يراد به نسخ جميع أحكامها بها، بل ليس إلا منافاتها لها في الجملة و تقديمها في مورد المنافاة، فأحكام تلك الشرائع خاضعة للتبديل بهذه الشريعة و إن لم تتبدل بها كلها لعدم منافاة بعضها لها.
كما قد يشهد به قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ، لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً ... «1».
و من الغريب ما ذكره من انتهاء أمد جعل الحكم الأول.
إذ لا معنى لنسخ الحكم مع انتهاء أمده، فان النسخ رفع الحكم الثابت.
و منه يظهر أنه لا حاجة للامضاء حينئذ، كي يكون مقتضى الأصل عدمه- خلافا لما يظهر من بعض الأعاظم قدّس سرّه-
إذ هو إنما يصح مع اختلاف الحاكم، كإمضاء الشارع للأحكام العرفية، دون مثل المقام مما اتحد فيه الحاكم و اختلف المبلغ، بل الحكم المحتاج للامضاء لا يقبل النسخ، فإن الحكم الذي من شأنه المضي بنفسه يقبل النسخ دون الامضاء، و الذي ليس من شأنه المضي بنفسه يقبل الامضاء دون النسخ، فلو أحرز الحكم الإلهي بأصالة عدم النسخ أو الاستصحاب ترتب الأثر عليه و إن لم يحرز إمضاؤه بذلك.
نعم، لا بأس بدعوى الإمضاء في مقام الإثبات، الراجع إلى استناد جميع‏
__________________________________________________
 (1) سورة المائدة 48.
                        المحكم في أصول الفقه، ج‏5، ص: 297
الأحكام لهذه الشريعة باعتبار تضمنها إبلاغ بقائها المستفاد من التصريح بذلك أو من السكوت عن نسخه، و هو المناسب لقوله صلّى اللّه عليه و آله في موثق أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السّلام: «يا أيها الناس ما من شي‏ء يقربكم من الجنة و يباعدكم من النار إلا و قد أمرتكم به، و ما من شي‏ء يقربكم من النار و يباعدكم من الجنة إلا و قد نهيتكم عنه» «1».
لوضوح أن أوامره صلّى اللّه عليه و آله واردة مورد التبليغ عنه تعالى، و يكفي فيه تبليغ بقاء الأحكام، و لا يتوقف على بيان حدوثها، فلا يقتضي تعدد الحكم ثبوتا، كي لا يكفي إحراز استمرار الحكم الأول بمقتضى الاستصحاب أو أصالة عدم النسخ، بل لا بد من إحراز الامضاء الذي هو خلاف الأصل.
و أما ما يظهر من بعض الأعيان المحققين قدّس سرّه من إحراز الإمضاء في المقام بالاستصحاب، لأن بقاء الحكم مساوق لتمامية ملاكه الملازم لامضائه في الشريعة اللاحقة.
فهو كما ترى! مبني على الأصل المثبت، إلا أن يريد الإمضاء في مقام الإثبات و يرجع كلامه إلى أن الحاجة للإمضاء لأجل معرفة بقاء الحكم الالهي، فإذا احرز بالاستصحاب أو أصالة عدم النسخ كفى في تحقق الغرض من الإمضاء.
نعم، لو كان مرجع أصالة عدم النسخ إلى أصالة الجهة أشكل البناء عليه في أحكام الشرائع السابقة مع ابتناء تلك الشرائع على التبشير بشريعتنا، لعدم جريان أصالة الجهة مع تنبيه المتكلم على ما ينافيها فيكون جعل الحكم مجملا من هذه الجهة، و لا دافع لاحتمال عدم استمراره.
لكن تقدم أن النسخ لا ينافي أصالة الجهة، كيف و لازمه رجوع النسخ إلى‏
__________________________________________________
 (1) الوسائل ج: 13، باب: 12 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 2 و رواه في تحف العقول عنه صلّى اللّه عليه و آله مرسلا بلفظ قريب من ذلك، ص: 28، طبع النجف الأشرف.
                        المحكم في أصول الفقه، ج‏5، ص: 298
محض الكشف عن حال جعل الحكم في فرض إجماله و عدم ظهوره في شي‏ء، و هو خلاف ظاهر النسخ، بل خلاف ظاهر قوله تعالى في حكاية خطابه لموسى مبشرا بشريعتنا المقدسة و صاحبها الكريم صلّى اللّه عليه و آله: قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «1»، لظهوره في استناد وضع الإصر و الأغلال لنبي الرحمة صلّى اللّه عليه و آله و لو باعتبار تبليغه للشريعة السمحة، لا أن شريعتهم متضمنة لوضعها عنهم في الوقت المذكور مع جهلهم بذلك و ليس منه صلّى اللّه عليه و آله إلا إعلامهم به.
و أما ما ذكره شيخنا الاستاذ قدّس سرّه من أن سيرة الفقهاء من الصدر الأول على عدم ملاحظة مصادر التشريع للأديان السماوية الاخرى و اقتصارهم على مصادر التشريع الاسلامي من الكتاب المجيد و السنة الشريفة، فيكشف عن عدم نفوذ أحكامها في هذه الشريعة لنسخها و إن احتمل ثبوت مثلها في هذا الدين.
فيندفع: بقرب كون منشئه عدم الوثوق بمصادر التشريع المعروفة للاديان المذكورة، لمعلومية التحريف و الابتداع فيها، و لا بحملتها للعلم بتعمدهم إخفاء الحق.
نعم، ما ثبت من أحكامهم في الكتاب و السنة لا يبعد البناء على العمل عليه لو فرض جهل حاله عندنا، و إن كان نادرا، فقد ذكر شيخنا الاعظم قدّس سرّه عدة فروع‏
__________________________________________________
 (1) الأعراف: 156/ 157.
                        المحكم في أصول الفقه، ج‏5، ص: 299
وقع الكلام في وجوب البناء عليها.
بل ادعى قدّس سرّه استمرار سيرة المسلمين في أول البعثة على ما كانوا عليه حتى يطلعوا على الخلاف، و إن لم يكن ذلك منه خاليا عن الاشكال، لعدم اطلاعهم غالبا على أحكام تلك الشرائع، لعدم سبق تدينهم بها و عدم اختلاطهم بأهلها و عدم تيسر مصادرها لهم.
نعم، كان لهم بعض الالتزامات من دين إبراهيم عليه السّلام تبعا لقومهم كالحج، و بعض الأغسال، و الختان، و لعل وجه جريهم عليها مع العلم بنسخ شريعة إبراهيم عليه السّلام بما بعدها من الشرائع التي لم يلتزم أهلها بهذه الامور، هو العلم برجحانها شرعا، أو إعلام النبي صلّى اللّه عليه و آله لهم بعدم نسخها في الشرائع المذكورة و إن ضيعها أهل تلك الشرائع تمردا عليها أو لتحريفها عندهم.
الثالث: أن العلم الاجمالي بنسخ بعض أحكام تلك الشرائع مانع من الرجوع في مورد الشك فيه للاستصحاب أو أصالة عدم النسخ.
و قد أجاب عن ذلك غير واحد بانحلال العلم الاجمالي بالظفر بأحكام منسوخة من تلك الشرائع بقدر المعلوم بالإجمال، و يرجع في الباقي للأصل.
و هو كما ترى! فرض لا واقع له، لعدم الاطلاع على أحكام تلك الشرائع كي يعلم بنسخ قسم منها بمقدار المعلوم بالإجمال، لفقد المصادر المعتمدة لها، و ما اطلع على نسخه منها قليل جدا لا يصلح لحل العلم الاجمالي المفروض.
فالعمدة في الجواب عن ذلك: أنه لا أثر للشك في النسخ في مورد العلم بالحكم الفعلي مع الجهل بحكم الشريعة السابقة، لوجوب العمل على الحكم المعلوم، سواء كان باقيا من الشريعة السابقة، أم حادثا بهذه الشريعة بعد نسخ الحكم المخالف له في تلك الشريعة و لا في مورد الجهل بالحكمين معا، و ينحصر الأثر له بمورد الجهل بالحكم الفعلي مع العلم بحكم الشريعة السابقة، و من الظاهر قلة الموارد المذكورة فلا يعلم إجمالا بتحقق النسخ في بعضها،
                        المحكم في أصول الفقه، ج‏5، ص: 300
ليمتنع الرجوع في مورد الشك لأصالة عدم النسخ أو الاستصحاب. و قد ذكر ذلك في الجملة شيخنا الأعظم قدّس سرّه.
هذه هي الوجوه المذكورة في كلماتهم، و هي- كما ترى- لا تنهض بالمنع عن جريان الاستصحاب و أصالة عدم النسخ.
نعم، روى في الكافي عن محمد بن سالم عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث طويل أنه قال: «إن اللّه عزّ و جل بعث نوحا إلى قومه: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ ثم دعاهم إلى اللّه وحده، و أن يعبدوه و لا يشركوا به شيئا، ثم بعث الانبياء عليهم السّلام على ذلك إلى أن بلغوا محمدا صلّى اللّه عليه و آله فدعاهم أن يعبدوا اللّه و لا يشركوا به شيئا، و قال: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ... فبعث الأنبياء إلى قومهم بشهادة ألا إله إلّا اللّه، و الإقرار بما جاء به من عند اللّه، فمن امن مخلصا و مات على ذلك أدخله اللّه الجنة بذلك ... فلما استجاب لكل نبي من استجاب له من قومه من المؤمنين جعل لكل نبي منهم شرعة و منهاجا، و الشرعة و المنهاج سبيل و سنة ... ثم بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه و آله و هو بمكة عشر سنين، فلم يمت بمكة في تلك العشر سنين أحد يشهد ألا إله إلّا اللّه، و أن محمدا صلّى اللّه عليه و آله رسول اللّه إلا أدخله اللّه الجنة بإقراره، و هو إيمان التصديق، و لم يعذب اللّه أحدا ممن مات و هو متبع لمحمد صلّى اللّه عليه و آله على ذلك إلا من أشرك بالرحمن. و تصديق ذلك أن اللّه عزّ و جل أنزل عليه في سورة بني اسرائيل بمكة:
وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ... إلى قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً، أدب، و عظة، و تعليم، و نهي خفيف، و لم يعد عليه، و لم يتواعد على اجتراح شي‏ء مما نهى عنه، و أنزل نهيا عن أشياء و حذر عليها و لم يغلظ فيها و لم يتواعد عليها ... فلما أذن اللّه لمحمد صلّى اللّه عليه و آله في الخروج من مكة إلى المدينة بني الاسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا اللّه، و أن محمدا صلّى اللّه عليه و آله عبده و رسوله، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و حج البيت، و صيام شهر رمضان،
                        المحكم في أصول الفقه، ج‏5، ص: 301
و أنزل عليه الحدود، و قسمة الفرائض، و أخبره بالمعاصي التي أوجب اللّه عليها و بها النار لمن عمل بها، و أنزل في بيان القاتل ...» «1» ..
و هذا الحديث- كما ترى صريح- في عدم تشريع الأحكام الفرعية إلا بعد الهجرة تدريجا، و أن الدين في أوائل البعثة لم يكن الا الشهادتين، و لا يلزم المسلم بسواهما، و إنما يندب لمكارم الأخلاق الارتكازية، و هو مستلزم لنسخ جميع أحكام الشرائع السابقة الإلزامية و نحوها من الامور التعبدية، و ليس تشريع الأحكام الموافقة لها أو المخالفة إلا بعد فترة طويلة.
و هو و إن كان ضعيفا سندا، إلا أنه مؤيد بما ورد في صحيح أبي بصير و مرسل اللؤلؤي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث إسلام أبي ذر رضى اللّه عنه بعد تكليم الذئب له و بحثه عن النبي صلّى اللّه عليه و آله في مكة و وعده «بتصديقه و طاعته في كل ما يأمره به، و أنه دخل عليه صلّى اللّه عليه و آله و شهد الشهادتين أمامه و وعد الطاعة له، فقال صلّى اللّه عليه و آله: «أنا رسول اللّه يا أبا ذر انطلق إلى بلادك ... و كن بها حتى يظهر أمري» قال أبو ذر: «فانطلقت ... و بقيت ببلادي حتى ظهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأتيته» «2»، فان الظاهر من الحديثين أن تمام الدين الذي أمر صلّى اللّه عليه و آله بتبليغه هو الشهادتان.
على أن ذلك هو الموافق للاعتبار، لابتداء الدعوة الاسلامية بين قوم يجهلون أحكام الشرائع السابقة و لم يألفوا العمل بها، و ظروف الدعوة حينئذ لا تناسب فرض ذلك، بل لا بد من تركز الدين كعقيدة و استحكام اصوله في النفوس و المجتمع و الاعتراف به كحقيقة ثابتة قبل فرض سيطرته العملية في الحياة بتشريع أحكام العبادات و المعاملات. و لذا كانت التشريعات بلسان‏
__________________________________________________
 (1) الكافي 2: 28، باب 17 من كتاب الإيمان و الكفر حديث: 1.
 (2) روى الحديثين في البحار باب: إسلام أبي ذر بعد بيان أحوال النبي صلّى اللّه عليه و آله، آخر المجلد: 6، طبع كمپاني، و روى الحديث الاول في أمالي الصدوق المجلس الثالث و السبعين، ص: 432، طبع النجف الاشرف، و روي الثاني في روضة الكافي حديث: 457، ص: 297.
                        المحكم في أصول الفقه، ج‏5، ص: 302
التأسيس لا بلسان النسخ و التعديل لأحكام الشرائع السابقة.
بل لا إشكال ظاهرا في تأخر تشريع كثير من مهمات الفرائض كالصلاة و الزكاة و الصوم مع وجود نظائرها في الشرائع السابقة و لم يعرف عن المسلمين العمل عليها في أول البعثة.
بل النظر في كيفية تشريع كثير من الأحكام- كتحريم الخمر و الربا و الفرائض و العدد- شاهد بابتناء التشريع على التدريج حتى تكامل، لا على التعديل لما سبق، بنحو يكون في جميع الاوقات تشريع متكامل، بعضه من الأديان السابقة و بعضه من الاسلام.
فمن القريب جدا نسخ الشرائع السابقة بتمام أحكامها العملية ببعثة النبي صلّى اللّه عليه و آله ثم تأسيس الشريعة من جديد بعد مرور فترة خالية من الأحكام، قد ترك فيها الناس على ما كانوا عليه في الجاهلية من أعراف و عادات في نظام الحياة.
و إن كان أهل تلك الشرائع ملزمين بأحكامها في الفترة المذكورة إما ظاهرا بمقتضى أصالة عدم النسخ قبل قيام الحجة عندهم على الدين الجديد، أو واقعا لقاعدة الالزام التي هي قاعدة ثانوية ترجع إلى ثبوت الحكم بعنوان طارئ، لا بمقتضى تشريعه الأولي.
و من هنا يشكل البناء على بقائها في حق المسلمين و غيرهم ممن لم يتدين بتلك الشرائع أو ثبت عنده نسخها بالاسلام.
ثم إن شيخنا الأعظم قدّس سرّه تعرض لبعض الموارد التي يبتني الحكم فيها على هذه المسألة و تكون ثمرة لها، و قد أطال الكلام في مفاد أدلتها بما لا مجال للتعرض له هنا، بل يوكل للفقه.