تفسیر آیه 39 سوره حجر رب بما اغویتنی فخر رازی مفاتیح الغیب
تفسیر آیه 39 سوره حجر رب بما اغویتنی فخر رازی مفاتیح الغیب
أما قوله تعالى: قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ففيه بحثان:
البحث الأول: الباء في بِما أَغْوَيْتَنِي للقسم و ما مصدرية، و جواب القسم لأزينن. و المعنى أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم، و نظيره قوله تعالى: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: 82] إلا أنه في ذلك الموضع أقسم بعزة اللّه، و هي من صفات الذات، و في قوله: بِما أَغْوَيْتَنِي أقسم بإغواء اللّه و هو من صفات الأفعال. و الفقهاء قالوا: القسم بصفات الذات صحيح، أما بصفات الأفعال فقد اختلفوا فيه. و نقل الواحدي عن قوم آخرين أنهم قالوا: الباء هاهنا بمعنى السبب، أي بسبب كوني غاويا لأزينن كقول القائل، أقسم فلان بمعصيته ليدخلن النار، و بطاعته ليدخلن الجنة.
البحث الثاني: اعلم أن أصحابنا قد احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى قد يريد خلق الكفر في الكافر و يصده عن الدين و يغويه عن الحق من وجوه: الأول: أن إبليس استمهل و طلب البقاء إلى قيام القيامة مع أنه صرح بأنه إنما يطلب هذا الإمهال و الإبقاء لإغواء بني آدم و إضلالهم و أنه تعالى أمهله و أجابه إلى هذا المطلوب، و لو كان تعالى يراعي مصالح المكلفين في الدين لما أمهله هذا الزمان الطويل، و لما مكنه من الإغواء و الإضلال و الوسوسة. الثاني: أن أكابر الأنبياء و الأولياء مجدون و مجتهدون في إرشاد الخلق إلى الدين الحق، و أن إبليس و رهطه و شيعته مجدون/ و مجتهدون في الضلال و الإغواء، فلو كان مراد اللّه تعالى هو الإرشاد و الهداية لكان من الواجب إبقاء المرشدين و المحققين و إهلاك المضلين و المغوين، و حيث فعل بالضد منه، علمنا أنه أراد بهم الخذلان و الكفر. الثالث: أنه تعالى لما أعلمه بأنه يموت على الكفر و أنه ملعون إلى يوم الدين كان ذلك إغراء له بالكفر و القبيح، لأنه أيس عن المغفرة و الفوز بالجنة يجترئ حينئذ على أنواع المعاصي و الكفر. الرابع: أنه لما سأل اللّه تعالى هذا العمر الطويل، مع أنه تعالى علم منه أنه لا يستفيد من هذا العمر الطويل إلا زيادة الكفر و المعصية، و بسبب تلك الزيادة يزداد استحقاقه لأنواع العذاب الشديد كان هذا الإمهال سببا لمزيد عذابه، (ج19، ص: 143) و ذلك يدل على أنه تعالى أراد به أن يزداد عذابه و عقابه. الخامس: أنه صرح بأن اللّه أغواه فقال: رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي و ذلك تصريح بأن اللّه تعالى أغواه لا يقال: هذا كلام إبليس و هو ليس بحجة، و أيضا فهو معارض بقول إبليس: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ فأضاف الإغواء إلى نفسه، لأنا نقول.
أما الجواب عن الأول: فهو أنه لما ذكر هذا الكلام فإن اللّه تعالى ما أنكره عليه و ذلك يدل على أنه كان صادقا فيما قال.
و أما الجواب عن الثاني: فهو أنه قال في هذه الآية: رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فالمراد هاهنا من قوله: لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ هو المراد من قوله في تلك الآية: لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إلا أنه بين في هذه الآية أنه إنما أمكنه أن يزين لهم الأباطيل لأجل أن اللّه تعالى أغواه قبل ذلك، و على هذا التقدير فقد زال التناقض و يتأكد هذا بما ذكره اللّه تعالى حكاية عن الشياطين في سورة القصص: هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا [القصص: 63].
السؤال السادس: أنه أقل: رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي و هذا اعتراف بأن اللّه تعالى أغواه فنقول: إما أن يقال: إنه كان قد عرف بأن اللّه تعالى أغواه، أو ما عرف ذلك، فإن كان قد عرف بأن اللّه تعالى أغواه امتنع كونه غاويا لأنه إنما يعرف أن اللّه تعالى أغواه إذا عرف أن الذي هو عليه جهل و باطل، و من عرف ذلك امتنع بقاؤه على الجهل و الضلالة، و أما إن قلنا: بأنه ما عرف أن اللّه أغواه فكيف أمكنه أن يقول: رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي فهذا مجموع السؤالات الواردة في هذه الآية.
أما الإشكال الأول: فللمعتزلة فيه طريقان:
الطريق الأول: و هو طريق الجبائي أنه تعالى إنما أمهل إبليس تلك المدة الطويلة، لأنه تعالى علم أنه لا يتفاوت أحوال الناس بسبب وسوسته، فبتقدير أن لا يوجد إبليس و لا وسوسته/ فإن ذلك الكافر، و العاصي كان يأتي بذلك الكفر و المعصية، فلما كان الأمر كذلك، لا جرم أمهله هذه المدة.
الطريق الثاني: و هو طريق أبي هاشم أنه لا يبعد أن يقال: إنه تعالى علم أن أقواما يقعون بسبب وسوسته في الكفر و المعصية، إلا أن وسوسته ما كانت موجبة لذلك الكفر و المعصية، بل الكافر و العاصي بسبب اختياره اختار ذلك الكفر و تلك المعصية، أقصى ما في الباب أن يقال: الاحتراز عن القبائح حال عدم الوسوسة أسهل منه حال وجودها، إلا أن على هذا التقدير تصير وسوسته سببا لزيادة المشقة في أداء الطاعات، و ذلك لا يمنع الحكيم من فعله، كما أن إنزال المشاق و إنزال المتشابهات صار سببا لمزيد الشبهات، و مع ذلك فلم يمتنع فعله فكذا هاهنا، و هذان الطريقان هما بعينهما الجواب عن السؤال الثاني.
و أما السؤال الثالث: و هو أن إعلامه بأنه يموت على الكفر يحمله على الجرأة على المعاصي و الإكثار منها، فجوابه أن هذا إنما يلزم إذا كان علم إبليس بموته على الكفر يحمله على الزيادة في المعاصي أما إذا علم اللّه تعالى من حاله أن ذلك لا يوجب التفاوت ألبتة، فالسؤال زائل، و هذا بعينه هو الجواب عن السؤال الرابع.
و أما السؤال الخامس: و هو أن إبليس صرح بأن اللّه تعالى أغواه و أضله عن الدين، فقد أجابوا عنه بأنه ليس المراد ذلك بل فيه وجوه أخرى: أحدها: المراد بما خيبتني من رحمتك لأخيبنهم بالدعاء إلى معصيتك.( ج19، ص: 144)
و ثانيها: المراد كما أضللتني عن طريق الجنة أضلهم أنا أيضا عنه بالدعاء إلى المعصية. و ثالثها: أن يكون المراد بالإغواء الأول الخيبة، و بالثاني الإضلال. و رابعها: أن المراد بإغواء اللّه تعالى إياه هو أنه أمره بالسجود لآدم فأفضى ذلك إلى غيه، يعني أنه حصل ذلك الغي عقيبه باختيار إبليس، فأما أن يقال: إن ذلك الأمر صار موجبا لذاته لحصول ذلك الغي، فمعلوم أنه ليس الأمر كذلك، هذا جملة كلام القوم في هذا الباب و كله ضعيف، أما قوله إنه لا يتفاوت الحال بسبب وسوسة إبليس فنقول: هذا باطل، و يدل عليه القرآن و البرهان، أما القرآن فقوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ [البقرة: 36] فأضاف تلك الزلة إلى الشيطان، و قال: فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى [طه: 117] فأضاف الإخراج إليه، و قال موسى عليه السلام: هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [القصص: 15] و كل ذلك يدل على أن لعمل الشيطان في تلك الأفعال أثرا، و أما البرهان فلأن بداية العقول شاهدة بأنه ليس حال من ابتلى بمجالسة شخص يرغبه أبدا في القبائح. و ينفره عن الخيرات، مثل شخص كان حاله بالضد منه، و العلم بهذا التفاوت ضروري. و أما قوله إن وجوده يصير سببا لزيادة المشقة في الطاعة/ فنقول: تأثير زيادة المشقة إنما هو في كثرة الثواب على أحد التقديرين، و في الإلقاء في العذاب الشديد على التقدير الثاني و هو التقدير الأكثر الأغلب، و كل من يراعي المصالح، فإنه رعاية هذا التقدير الثاني أولى عنده من رعاية التقدير الأول لأن دفع الضرر العظيم أولى من السعي في طلب النفع الزائد الذي لا حاجة إلى حصوله أصلا، و لما اندفع هذان الجوابان عن هذا السؤال قويت سائر الوجوه المذكورة، و أما قوله: المراد من قوله:
رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي الخيبة عن الرحمة أو الإضلال عن طريق الجنة فنقول: كل هذا بعيد، لأنه هو الذي خيب نفسه عن الرحمة و هو الذي أضل نفسه عن طريق الجنة، لأنه لما أقدم على الكفر باختياره فقد خيب نفسه عن الرحمة، و أضل نفسه عن طريق الجنة فكيف يحسن إضافته إلى اللّه تعالى فثبت أن الإشكالات لازمة و أن أجوبتهم ضعيفة. و اللّه أعلم.
ج 19، 142-144
راهنمای آزمون ارشد و دکتری رشته علوم قرآن و حدیث+مطالب آموزنده قرآنی و حدیثی+علایق شخصی