تفسیر آیه 16 سوره اعراف (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي) - آیت الله جعفر سبحانی - منیة الطالبین

«قال فيما أغويتني لأقعدين لهم صراطك المستقيم»:

دعوى إبليس بإغواء الله تعالى إياه لمّا طرد الله سبحانه إبليس ولعنه وصغّره، صار ذلك سببا لحقده وعداوته لآدم وذريّته، والّتي كشف عنها تعالى بقوله - حكاية عن إبليس -: «قال فبما أغويتني»، الفاء لبيان الترتيب، والباء للسببيّة، أي بسبب إغوائك إياي: «الاقعدن لهم»: أي لبني آدم «صراطک المستقيم»: أي أمنعهم عن سلوك صراطك المستقيم، بناء على تضمين المنع لفعل «لأقعدنّ».

هذا هو مفاد ظاهر الآية، ويقع الكلام في أمور:

الأول: أنّ إبليس أسند الغواية إلى الله سبحانه وأنّه هو الغاوي أو هو الّذي أضلّه، فهل هو كاذب في نسبة القبيح إلى الله سبحانه أو صادق؟ وعلى فرض الصّدق فكيف يضلّه الله سبحانه ثمّ يجزيه أشدّ الجزاء؟

أقول: سواء فسّر الإغواء بالإضلال كما يقال: الغواية: الضّلالة، بشهادة قوله: «قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ» (ص: 82 و 83)، أم بمعنى الإهلاك والعَطَب، كما في قوله: «وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ»(هود: 34)، أم بمعنى الخَيْبة والحِرْمان، كقول الشّاعر:

فمَن يلق خيرا يحمد الناسُ أمرَهُ

ومَن يغوَ لا يعدم على الغيّ لائما

أي: ومن يخب. (تفسير قرطبی، 7/174 ؛ مجمع البیان 4/250)

وعلى كلّ تقدير، فنسبته إلى الله سبحانه إنّما هي نسبة أمر قبيح إليه، لكن تقول: إنّ الإغواء على قسمين:

تارة يقوم به الفاعل ابتداءً من دون أن يصدر من المجزيّ عصیان وخلاف، فلا شكّ في أنّه قبيح لا يصدر من الله سبحانه لأنّه على خلاف العدل والحكمة، فالله قائم بالقسط وحكيم في فعله.

وأُخرى يكون الإغواء جزاءً لما يصدر من الشّخص من عمل يعد خروجاً على المولى وتمرّدة عليه، فهذا لا يعدّ أمراً قبيحاً لأنّ العاصي هو الّذي سبب ذلك. والإغواء في الآية من القسم الثّاني لأنّ إبليس لما تمرّد وعتاء استحقّ أن يقطع سبحانه عنه الفيض وأن يتركه إلى نفسه، الأمر الّذي استلزم غوايته، الّتي هي بمعنى الضلال وقطع التّوفيق.

وسيمرّ عليك في الأجزاء التّالية لهذا التّفسير بأنّ لله هدایتین: هداية عامّة تشمل كلّ إنسان حتّى الزنادقة والفراعنة بشهادة أنّ الله سبحانه بعث أنبياءه لهدايتهم، فإذا استناروا بهم واهتدوا، شملتهم هداية ثانية، يقول سبحانه: «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى» (محمد: 17)، وأمّا إذا تمرّدوا واستكبروا، حُرموا من الهداية الثّانية ولم يرزقوا التّوفيق، وهذا النّوع من الحرمان والانقطاع يسمّى إغواء وإهلاكا وخيبة.

والأفضل من بين المعاني الثّلاثة هو المعنى الأوّل بشهادة قوله: «قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ» (حجر: 39)، فإنّ الإغواء في آخر الآية بمعنى الإضلال الّذي يحصل بتزيين الباطل وتحسين القبيح لبني آدم، فليكن الإغواء في صدر الآية أيضاً بمعنى الإضلال، ولكنّ هذا الإغواء ليس أمراً قبيحاً إذ كان جزاء للفعل، وأريد به سلب التّوفيق وانقطاع الهداية الثّانية.

الثّاني: أنّ الآية صارت مثاراً للبحث عن الجبر، قال القرطبي: مذهب أهل السّنّة أن الله تعالى أضلّه وخلق فيه الكفر، ولذلك نسب الإغواء في هذا إلى الله تعالى، وهو الحقيقة، فلا شيء في الوجود إلّا وهو مخلوق له وصادر عن إرادته، وخالف الإماميّة والقدَريّة وغيرهما شيخهم إبليس، الذي طاوعوه في كلّ ما زيّنه لهم، ولم يطاوعوه في هذه المسألة، ويقولون أخطأ إبليس وهو أهل للخطأ حيث نسب الغواية إلى ربّه، تعالى الله عن ذلك. فيقال لهم: وإبليس وإن كان أهلاً للخطأ فما تصنعون في نبيّ مكرم معصوم وهو نوحاً (ع) حيث قال لقومه: «وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» (هود: 34)

خروج القرطبي عن أدب الحوار

أقول: أوّلا: لا يخفى ما في كلامه من الخروج عن أدب الحوار، حيث إنّه وصف الإماميّة والمعتزلة بالمطاوعين لإبليس والموافقين له في عامّة الموارد واستشنی مورداً واحداً! فنقول: هل الأمر كذلك يا تُرى؟ لا أظنّ أنّ أحداً يتّسم بالعلم والإنصاف يقرّه على ذلك، فإنّ بين الطّوائف الثّلاث مشترکات كثيرة في الأصول والفروع، فلو كان الإماميّة والمعتزلة قد وافقوا إبليس في هذه المشتركات، فمعنى ذلك أنّ السّنّة قد وافقوه أيضاً فيما اشتركوا به مع الطّائفتين من مسائل!! 

وثانياً: أنّ الإغواء في كلام النّبيّ المعصوم، أعني قوله: «إنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ» (هود: 34)، هو الإغواء الجزائيّ (الثّاني) لا الابتدائيّ، وقد عرفت أنّ القبيح هو الإغواء مع عدم صدور ذنب من المَغوي، وأمّا مع تمرّده وعصيانه فلا قبح فيه، إذ هو بمعنی قطع الفيض، أو الإهلاك كما هو الحال في عاد وثمود.

ثمّ إنّ القرطبي نقل بعد كلامه المتقدّم القّصة التّالية، قال: إنّ طاووساً جاءه رجل في المسجد الحرام وكان متّهماً بالقَدر وكان من الفقهاء الكبار فجلس إليه، فقال له طاووس: تقوم أو تُقام. فقيل لطاووس: تقول هذا لرجل فقیه، فقال: إبليس أفقه منه، يقول إبليس: «رَبِّ بَمَا أَغْوَيْتَنِي»، ويقول هذا: أنا أُغوي نفسي.

ثمّ إن صاحب الكشّاف لمّا وقف على هذه الكلمة الشّائنة الّتي لا تصدر ممّن له أدنى إنصاف وموضوعية في مجال البحث العلمي، قال: ومن تكاذيب المجبِّرة ما حکوه عن طاووس أنّه كان في المسجد الحرام..... وذكر القصّة كاملة) ثمّ ردّ على ذلك بقوله: وما ظنّك بقوم بلغ من تهالكهم على إضافة القبائح إلى الله سبحانه أن لفّقوا الأكاذيب على الرّسول والصّحابة والتّابعين (زمخشری، 55/2)

أقول: يكفي في جهل القرطبي بعقائد الإماميّة أنّه عطف الإماميّة على القَدَريّة وأراد بهم المعتزلة، مع أنّ بينهما بَوناً كبيرة حتّى في هذه المسألة، فإنّ المعتزلة يقولون في أفعال العباد بالتّفويض، والإمامية يقولون بالأمر بين الأمرين كما أُثر عن أئمتهم: «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين» (كافي، 160/1)، فلو كان المسؤول إماميّة تابعة للإمام جعفر الصاّدق (ع) يقول في جواب طاووس: لا هذا ولا ذاك؛ بل بحول الله وقوّته أقوم وأقعد، فالجبر باطل، والتّفويض مثله، والحقّ الأمر بين الأمرين.

الثّالث: أنّ المراد بالقعود في قوله تعالى: «لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم» الملازمة، إذ يعبّر عمن في المرصاد بالقعود كناية عن الملازمة، ولكنّ الراصد تارة يقوم، وأخرى يقعد، وثالثة يستلقي، كقوله سبحانه: «إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ» (ق: 17).

وأمّا الصّراط المستقيم فهو صراط الله السَّوي، الّذي يوصل العباد إليه وينتهي بهم إلى سعادتهم. وبعبارة أخرى: العقائد الحقّة، والإتيان بالواجبات والاجتناب عن المحرّمات هو صراط الله المستقيم الّذي يحول إبليس بين الإنسان وبين سلوكه والسَّير فيه. والضّمير في قوله: «لَهُمْ» يرجع إلى الإنس.

وفي نهاية المطاف أقول: إنّ ما تمنّاه إبليس قد تحقّق، كما يقول سبحانه: «وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (سبأ: 20)

تفسير الصراط بدين الله الذي أمر به

إنّ ما ذكرناه من معنى الصراط لا يخالف ما ورد في بعض الروايات بتفسيره بالإمام علي(ع) (بحراني، 100/4)

وحقيقة الأمر ما ذكره الطّبرسي، حيث ذكر معانٍ مختلفة للصّراط المستقيم الّتي منها أنّه النّبيّ والأئمّة القائمون مقامه، ثمّ قال: والأَولى حمل الآية على العموم حتّى يدخل جميع ذلك فيه، لأنّ الصّراط المستقيم هو الدّين الّذي أمر الله تعالی به من التّوحيد والعدل وولاية من أوجب الله طاعته (طبرسي، 48/1)

ومن المناسب أن نذكر هنا ما قاله الشريف الرضي حول هذه الآية، لنجعله مسك الختام، قال: والصّراط هاهنا كناية عن الدّين الّذي جعله الله سبحانه طريقاً إلى النّجاة في دارَي القرار والمجاز، وإنّما قال: صراطك، لمّا كان الدّین کالطّريق المؤدّية إلى رضا الله تعالى ومثوبته، والموصلة إلى نعيمه وجنته، فكأن إبليس لعنه الله إنّما توعّد بالقعود على طريق الدّين ليُضلَّ عنه كلّ قاصد، ويردّ عنه كل وارد، بمكره وخدائعه وتلبيسه ووساوسه، تشبيها بالقاعد على مدرجة بعض السُّبُل ليخوّف السّالكين منها، ويعدّل بالقاصدين عنها، والمراد: لأقعدنّ لهم على صراطك المستقيم، فلما حُذف الجار انتصب الصّراط، والحذف هاهنا أبلغ في الفصاحة، وأعرف في أصول العربيّة، ونظيره قول الشاعر:

لَدْنٌ بهزّ الكفّ يعسُلُ متنُه        فيه كما عَسَل الطريقَ الثعلبُ

أي عسل في الطّريق، وكلّ ما جاء في القرآن من ذکر سبيل الله سبحانه فالمراد به الطّريق إلى طاعته عاجلاً، وإلى جنته آجلاً؟

منبع: ج11، صص71-77