تقرير القرآن على صحّة كلا الاقتراحين (آیت الله سبحانی)+تفسیر آیه 21 سوره کهف جواز ساخت مسجد
تقرير القرآن على صحّة كلا الاقتراحين (آیت الله سبحانی)+تفسیر آیه 21 سوره کهف جواز ساخت مسجد
تقرير القرآن على صحّة كلا الاقتراحين
إنّ الذكر الحكيم يذكر كلا الاقتراحين من دون أيّ نقد ورد، وليس صحيحاً قطعاً أن يذكر الله سبحانه عن هؤلاء الموجودين على باب الكهف أمراً باطلا من دون أيّة إشارة إلى بطلانه; إذ لو كان كذلك كأن يكون أمراً محرّماً أو مقدّمة للشرك والانحراف عن التّوحيد، لكان عليه أن لا يمرّ عليها بلا إشارة إلى ضلالهم وانحرافهم، خصوصاً أنّ سياق الآية بصدد المدح، وأنّ أهل البلد اتّفقوا على تكريم هؤلاء الّذين هجروا أوطانهم لأجل صيانة عقيدتهم، غاية الأمر اختلفوا في كيفيّته، فمن قائل ببناء البنيان إلى آخر قائل ببناء المسجد.
إنّ القرآن كتاب نزل لهداية الإنسان وتربية الأجيال، والهدف من عرض حياة الأُمم ووقائعهم هو الاعتبار، فلا ينقل شيئاً إلاّ فيه عبرة، فلو كان الاقتراحان يمسّان كرامة التوحيد، لِمَ سكت عنه؟!
وهذا ظاهر فيمن تدبّر في القرآن الكريم، وسيوافيك بقيّة الكلام عند بيان النتيجة.
ولكن تعال معي لنقف على بعض ما قاله جمال الدين القاسمي الدمشقي (1283-1332 هـ ) الذي كان يصوّر نفسه مصلحاً إسلاميّاً يسعى إلى توحيد كلمة المسلمين ولَمِّ شَعْثِهم، ومن شروط من يتبنّى لنفسه ذلك المقام الرفيع أن ينظر إلى المسائل من منظار وسيع، ويستقبل الخلاف بين المسلمين بسعة صدر، ولكنّه ـ عفا الله عنه ـ يريد توحيد الكلمة في ظلّ الأُصول الّتي ورثها عن ابن تيمية، فزاد في الطين بلّة، ويشهد لذلك ما علّقه على عبارة ابن كثير.
قال ابن كثير بعد تفسير الآية: هل هم كانوا محمودين أم لا؟ فيه نظر; لأنّ النبيّ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد» يحذّر ما فعلوا.
وقال جمال الدين: وعجيب من تردّده في كونهم غير محمودين، مع إيراده الحديث الصحيح بعده المسجّل بلعن فاعل ذلك، والسبب في ذلك أنّ البناء على قبر النبيّ مَدعاة للإقبال عليه والتضرّع إليه، ففيه فتح لباب الشرك، وتوسّل إليه بأقرب وسيلة...[1].
يلاحظ عليه: أنّ القرآن هو الحجّة الكبرى للمسلمين، وفيه تبيان لكلّ شيء، وهو المهيمن على الكتب، فإذا دلّ القرآن على جوازه فما قيمة الخبر الواحد الّذي روي في هذا المجال إذا كان مضادّاً للوحي، ومخالفاً لصريح الكتاب، وإن كانت السنّة المحمديّة الواقعية لا تختلف عنه قيد شعرة، إنّما الكلام في الرواية الّتي رواها زيد عن عمرو حتّى ينتهي إلى النبيّ، فإنّ مثله خاضع للنقاش، ومرفوض إذا خالف الكتاب، لكن ما ذكره يعرب عن أنّ الأساس عنده هو الحديث لا الذكر الحكيم.
وكان عليه بعد تسليم دلالة القرآن أن يبحث في سند الحديث ودلالته، وأنّ الحديث على فرض الصحّة ناظر إلى ما كان القبر مسجوداً له، أو مسجوداً عليه أو قِبلة، ومن المعلوم أنّ المسلمين لا يسجدون إلاّ لله، ولا يسجدون إلاّ على ما صحّ السجود عليه، ولا يستقبلون إلاّ القِبلة، وسيتّضح نصّ محقّقي الحديث، على أنّ المراد هو ذلك، فانتظر.
وأعجب منه ما في ذيل كلامه: من أنّه رأى التوسّل بالنبيّ شركاً، مع أنّ النصوص الصحيحة في الصحاح تدلّ على جوازه، فقد توسّل الصحابي الضرير بالنبيّ الأكرم حسب تعليمه وقال: اللّهمّ إنّي
أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك نبيّ الرحمة، يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي في حاجتي لتُقضى[1].
وقد اتّفقوا على صحّة الحديث، حتّى أنّ ابن تيمية ـ مُثيرَ هذه الشكوك ـ
اعترف بصحّته وقال: وقد روى الترمذي حديثاً صحيحاً عن النبيّ أنّه علّم رجلا يدعو فيقول:...، وقد أوردنا نصوص القوم في بحث «التوسّل»[2].
ومن زعم أنّ هذه التوسّلات أساس الشرك، فلينظر إلى المسلمين طيلة أربعة عشر قرناً; فإنّهم ما برحوا يتوسّلون بالنبيّـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وما عدلوا عن سبيل التوحيد قيد شعرة.
إنّ إنشاء البناء على قبر نبيّ التوحيد تأكيدٌ على مبدأ التوحيد ورسالته العالمية الّتي يشكّل أصلها الأوّل قوله سبحانه: (أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)[3].
وقد خرجنا عن هذه الدراسة بالنتيجتين التاليتين:
1 ـ جواز البناء على قبور الأولياء والصالحين ودعاة التوحيد فضلا عن النبيّ، وما ذلك إلاّ أنّ القرآن ذكر ذلك من دون أن يغمض فيه، وليس القرآن كتاباً قصصيّاً ولا مسرحيّاً للتمثيل، بل هو كتاب هداية ونور، فإن نقل شيئاً ولم يغمض عليه فهو دليل على أنّه محمود عنده.
نرى أنّه سبحانه يحكي كيفيّة غرق فرعون ويقول: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)[4].
ولمّا كانت تلك الفكرة باطلة عنده سبحانه، أراد إيقاف المؤمنين على أنّ الإيمان في هذا الظرف غير مفيد، فلأجل ذلك عقّب عليه بقوله: (ءالاْنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)[5].
[1] الترمذي، الصحيح 5: كتاب الدعوات، الباب 119 / ح 2578; ابن ماجة، السنن 1: 441 / ح1385; الإمام أحمد، المسند 4: 138، إلى غير ذلك من المصادر.
[2] راجع ص 611 من هذا الكتاب.
[3] النحل: 36.
[4] يونس: 90.
[5] يونس: 91.
فالإنسان العارف بالكتاب يقف على أنّه لم يترك على صعيد العقائد أُموراً إلاّ وذكر أوضحها وبيّنها بطرق مختلفة، ومن تلك الطرق القصص الواردة في الكتاب العزيز; فكلّ ما وقع في الأُمم السالفة وصار القرآن بصدد ذكره فهو على أقسام ثلاثة: كونه بيّن الصحة، أو بيّن البطلان، أو المردّد بين الأمرين.
فقد يترك البيان في الأوّلين لعدم الحاجة، وأمّا الثالث فلا يتركه إلاّ إذا كان مقبولا لديه.
2 ـ جواز بناء المسجد على قبور الصالحين فضلا عن الأنبياء وجواز الصلاة فيها والتبرّك بتربته، فلو كانت الصلاة في المقابر مكروهة فالأدلّة المرغّبة إلى الصلاة في جِوار الصالحين والأنبياء تخصّص تلك العمومات; وذلك لأنّ للصلاة في مشاهدهم مصلحة تغلب على المضاضة الموجودة في الصلاة في المقابر المطلقة.
الآية الثالثة: صيانة الآثار وتعظيم الشعائر
قال سبحانه: (ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)[1].
والاستدلال بالآية يتوقّف على ثبوت صغرى وكبرى:
فالصغرى عبارة عن كون الأنبياء وأوصيائهم ومن يرتبط بهم أحياءً وأمواتاً من شعائر الله، والكبرى عبارة عن كون البناء وصيانة الآثار والمقابر تعظيماً لشعائر الله.
ولا أظنّ أنّ الكبرى تحتاج إلى مزيد بيان، إنّما المهم بيان الصغرى، وأنّ الأنبياء والأوصياء وما يرتبط بهم من شعائر الله، وبيان ذلك يحتاج إلى نقل ما ورد حول شعائر الله من الآيات:
1 ـ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ)[2].
2 ـ (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامِ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً)[3].
3 ـ (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ)[4].
وفي آية أُخرى جعل مكان شعائر الله حرمات الله وقال:
(ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَاُحِلَّتْ لَكُمُ الاَْنْعَامُ إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الاَْوْثَانِ...)[5].
ما هو المقصود من شعائر الله؟
هنا احتمالات:
[1] الحجّ: 32.
[2] البقرة: 158.
[3] المائدة: 2.
[4] الحجّ: 36.
[5] الحج: 30.
1 ـ تعظيم آيات وجوده سبحانه.
2 ـ معالم عبادته وأعلام طاعته.
3 ـ معالم دينه وشريعته، وكلّ ما يمت إليهما بصلة.
أمّا الأوّل، فلم يقل به أحد; إذ كل ما في الكون آيات وجوده، ولا يصحّ تعظيم كلّ موجود بحجّة أنّه دليل على الصانع.
وأمّا الثاني; فهو داخل في الآية قطعاً، وقد عدّ الصَّفا والمروةَ والبُدْن من شعائر الله، فهي من معالم عبادته وأعلام طاعته، إنّما الكلام في اختصاص الآية بمعالم العبادة وأعلام الطاعة، ولا دليل عليه، بل المتبادر هو الثالث، أي معالم دينه سبحانه، سواء كانت أعلاماً لعبادته وطاعته أم لا; فالأنبياء والأوصياء والشهداء والصحف والقرآن الكريم والأحاديث النبويّة كلّها من شعائر دين الله وأعلام شريعته، فمن عظّمها فقد عظّم شعائر الدين.
قال القرطبي: فشعائر الله، أعلام دينه، لا سيما ما يتعلّق بالمناسك[1].
ولقد أحسن حيث عمّم أوّلا، ثمّ ذكر مورد الآية ثانياً، وممّا يعرب عن ذلك أنّ إيجاب التعظيم تعلّق بـ «حرمات الله» في آية أُخرى.
قال سبحانه: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ)[2]، والحرمات ما لا يحلّ انتهاكه، فأحكامه سبحانه حرمات الله; إذ لا يحلّ انتهاكها، وأعلام طاعته وعبادته حرمات الله; إذ يحرم هتكها، وأنبياؤه وأوصياؤهم وشهداء دينه وكتبه وصحفه من حرمات الله، يحرم هتكهم، فلو عظّمهم المؤمن أحياءً وأمواتاً فقد عمل بالآيتين: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ)، (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ).
[1] القرطبي، التفسير 12: 56 طبع دار إحياء التراث.
[2] الحجّ: 30.
راهنمای آزمون ارشد و دکتری رشته علوم قرآن و حدیث+مطالب آموزنده قرآنی و حدیثی+علایق شخصی